العودة لقائمة المقالات
رؤى أدبية وفكرية5 دقائق للقراءة

كتاب “مكافآت غير كافية”: والمأزق الأخلاقي للإنسان المعاصر..

أ.د. عمرو منير

أ.د. عمرو منير

٢١ سبتمبر ٢٠٢٦

👁️27 مشاهدة
كتاب “مكافآت غير كافية”: والمأزق الأخلاقي للإنسان المعاصر..
يرى المؤلف أن الإنسان المعاصر يقوم بالمفاضلة بين المبادئ والرفاهية حيث يستسلم الأفراد والرموز الاجتماعية للراحة الاستهلاكية والترف اليومي على حساب “النزاهة الأخلاقية” ويتم ذلك بتغذية الرغبات السطحية التي يقون عليها النظام النيوليبرالي القائم عن طريق تحفيز الرغبات الاستهلاكية المباشرة وتخدير الحوار الداخلي والتفكير الأخلاقي العميق.
كثيرون منا يتابعون بشكل يومي التغييرات الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية الحادة التي تكتسح العالم كتسونامي أخلاقي ومبادئي ونجدها مختلفة كثيرا عن الأفكار المثالية التي نشأت عليها الأجيال المتعاقبة سواء المستمدة من الأديان والعقائد أو الأخلاق الناتجة عن التطور الفلسفي الجدلي عبر التاريخ…. لذلك يجد الإنسان المعاصر نفسه في مأزق صعب الحل حيث يرى صراعات دولية عبثية تدور حول مبررات أخلاقية واهية وهنا يأتي كتاب الكاتب وصانع الأفلام جاي شابيرو ليجيب على السؤال الأهم وهو ” كيف يمكن أن يتقبل بشر من دول العالم المتقدم السلوكيات الغير أخلاقية لدول تدعي أنها من العالم الحر و أنها رافعة راية حقوق الإنسان ؟!!! الكتاب صدر عام 2026 م بعنوان طويل غير معتاد وهو (مكافآت غير كافية: كيف استبدلنا النزاهة بالراحة وأوكلنا الأخلاق للتاريخ) عن دار نشر (كوليكتف أنك) ويتألف الكتاب من ٢٥٦ صفحة، يمزج فيه شابيرو بين الفلسفة الأخلاقية، وعلم النفس الاجتماعي، والتحليل السياسي، وتجربته الشخصية كصانع أفلام وثائقية و يعتبر دراسة وفحصاً فلسفياً ونفسياً للمأزق الأخلاقي الذي يعيشه الإنسان المعاصر في ظل الأنظمة السياسية والاجتماعية الحديثة. يتناول الكتاب في فصوله الأولى كيفية تعامل العقل البشري مع التناقضات بين معتقداته الأخلاقية وتصرفاته اليومية ويطلق المؤلف اسم “مُصلح التنافر المعرفي” على تلك الآلية النفسية الذهنية التي تتدخل لترقيع التناقضات؛ حيث تُقنع الإنسان بأن التنازلات الأخلاقية أو التواطؤ مع سلوكيات ظالمة أمر “لا بد منه”، أو “ضروري”، أو حتى “حتمي لصالح التقدم”. يرى شابيرو أن هذا التنافر المعرفي يتم حله داخل الإنسان المعاصر عن طريق منطق المكافأة غير الكافي أو التبرير وهنا فهو يستند على تجربة التنافر المعرفي لعالم النفس ” ليون فيستينغر ” التي أجراها عام ١٩٥٩ م وتقوم التجربة على فكرة إعطاء شخص مكافأة مالية كبيرة (مثل ٢٠ دولاراً) مقابل الكذب، فإنه يبرر كذبه بالمال ويظل يعلم داخلياً أنه كذب أما عندما تكون المكافأة ضئيلة للغاية (مثل دولار واحد)، فإن عقله يتأقلم عبر إقناع نفسه بحقيقة ما قاله ليرفع عن نفسه وطأة الشعور بالنفاق والذنب. يرى الكاتب عن طريق تطبيق نتائج تلك التجربة أن معظم أفراد المجتمع اليوم يعيشون في وضع “المكافأة غير الكافية” فالأنظمة توفر لنا راحات واستحسانات سطحية أو سلعاً استهلاكية لا تكفي لتبرير التجاوزات والانتهاكات الأخلاقية لسلوك دول تدعي الديمقراطية وسيادة حقوق الإنسان مما يدفع الأفراد إلى تعديل قناعاتهم الداخلية غسلاً لأدمغتهم بملء إرادتهم للتأقلم مع الواقع. يرى شابيرو إيضا أن تحويل المعاناة الإنسانية والقرارات الاخلاقية إلى معادلات رياضية (حساب المزايا مقابل الخسائر) يُتيح للأنظمة والمؤسسات والأفراد تبرير العنف والعنصرية والاستعمار، باعتبارها “تكلفة مقبولة” لتحقيق نتائج مستقبليّة أفضل – استبدال النزاهة الأخلاقية بالراحة والرفاهية: يرى المؤلف أن الإنسان المعاصر يقوم بالمفاضلة بين المبادئ والرفاهية حيث يستسلم الأفراد والرموز الاجتماعية للراحة الاستهلاكية والترف اليومي على حساب “النزاهة الأخلاقية” ويتم ذلك بتغذية الرغبات السطحية التي يقون عليها النظام النيوليبرالي القائم عن طريق تحفيز الرغبات الاستهلاكية المباشرة وتخدير الحوار الداخلي والتفكير الأخلاقي العميق. – إحالة الأخلاق إلى التاريخ: ينتقد الكاتب وهم “الجانب الصحيح من التاريخ” مثل استخدام عبارات شائعة مثل “التاريخ سيحكم علينا” أو “التاريخ سيكشف الحقيقة” كذريعة للتملص من المسؤولية الأخلاقية المباشرة في الحاضر. يفكك شابيرو تلك العبارة بتوضيح أن التاريخ ليس سجلاً محايد اًو قاضياً ينطق بالحقيقة، بل هو موجة ناشئة يتم اختيارها وسردها وتأويلها من قبل المؤرخين والإعلاميين والسلطة. وإحالة الأخلاق إلى المستقبل هو مجرد هروب من اتخاذ موقف أخلاقي مباشر وحاسم في الحاضر قبل أن يُكتب السرد التاريخي. ينتقد الكاتب إيضا في نفس السياق التبرير العواقبائي (القائم على النتائج ) الذي يلجأ إليه الفاعلون لتبرير الجرائم أو السياسات العنيفة بحجة أن المستقبل سينتج عنه عالم أفضل أو أن التاريخ سيرى ذلك كضرورة، وهو ما يطلق عليه الكاتب “فخاخ التاريخ”. – مفهوم السلام والعدالة: تناول الكتاب أيضا مفهوم السلام والعدالة حيث يرفض السلام السلبي الذي يُبنى فقط على غياب الجريمة المباشرة أو فرض المراقبة و يعتبر هذا السلام هو سلام مجتمعي سلبي وهش ويعتبر قنبلة موقوتة. ويؤكد أن السلام الحقيقي ليس خطة تُفرض، بل هو نتيجة ناشئة ومتوقعة تُبنى بالأساس على السعي الصادق والمستمر لتحقيق شروط العدالة وازدهار الإنسان. في النهاية فإن كتاب مكافآت غير كافية يدعو الكاتب من خلاله إلى استعادة النزاهة الأخلاقية الفردية بوصفها أداة الحياة الأكثر أهمية حاليا؛ حيث ينبغي للإنسان الاستيقاظ من تخدير المكافآت السطحية، والامتناع عن إحالة مسؤولياته الأخلاقية الحاضرة إلى حكم التاريخ، والتوقف عن تسويغ التواطؤ مع الظلم والانتهاكات تحت دعاوى الراحة الجسدية أو المصلحة المستقبلية. ويرى شابيرو أن أصل الاضطراب في عصرنا الحالي ليس نقصاً في المعرفة، بل هو محاولة بائسة للتوفيق بين ما نعرفه أخلاقياً في أعماقنا وبين النظام الذي نعيش فيه، وأن استعادة النزاهة الفردية والرفض الواعي لتبرير الظلم هما أسمى وأسرع صور التطور و التقدم. بقلم: د. عمرو منير محمد عضو اتحاد كتاب مصر
مشاركة المقال
أ.د. عمرو منير

أ.د. عمرو منير

أستاذ طب وجراحة العيون وروائي

استشاري جراحات القرنية وتصحيح الإبصار، يجمع بين المسيرة الأكاديمية الطبية الثرية والرؤية الأدبية الإبداعية في الرواية والنقد الفلسفي.

مقالات وقراءات ذات صلة

رؤى أدبية وفكرية

«جزيرة غمام»| التنميط الفني للتاريخ

اصطدم الكاتب بشكل غير مبرر مع التاريخ من أجل إبراز فكرته القائمة على الصراع بين تلك النماذج المختلفة المكررة و ذلك بإغفال العديد من الحقائق التاريخية منها ان تلك الجزيرة فى ذلك العصر البعيد لا يمكن أن تكون مكتظة بالسكان إلى هذا الحد و كيف أن بها مدرسة حكومية لتعليم الأطفال وهى قرية نائية معزولة بالاضافة الى أن فكرة سفن الصيد و التى تحمل الثلج لحفظ الأسماك كانت غير موجودة فى هذا الزمن من الأساس....وهنا يجب أن يحترم المؤلف التاريخ و حدوده و إبعاده قبل استخدامه فى سياق الأحداث والمواقف والشخصيات.

قراءة المزيد
رؤى أدبية وفكرية

د.عمرو منير يكتب: «مدينة الرب».. وحكايا الذكريات

لم تنسَ الكاتبة اهتمامها بالأحداث التى مرّت بمصر فى أحلك أوقاتها؛ فتحدثت عن دور البطلة فى التمريض التطوعى فى القصر العينى، وقت أن كانت طالبة جامعية، وكيف عايشت ضحايا ومصابى حرب تحرير سيناء. تحدثت أيضًا عن صديقتها نجوى، والتى تم تهجيرها من بورسعيد بعد عدوان الصهاينة وقتلهم لأبيها.

قراءة المزيد